خطبة المظاهرات



أما بعد فإن الأمن من أعظم النعم التي امتن الله بها على عباده قال تعالى:
﴿ وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ ﴾
فدلت الآية أن الأمن نعمة وأن كفرها سبب لزوالها.
وقال تعالى ممتناً على قريش:
﴿ الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ ﴾

عباد الله في حال الأمن يعبد المسلم ربه يصلي الناس في المساجد ويعتمرون ويحجون ويطلبون أرزاقهم ولايخاف أحد منهم على ماله ولاعرضه يخرج من بيته وهو آمن على أهله ويسافر بهم وهو آمن
وإذا أردت أن تعرف قدر هذه النعمة فانظر إلى حال من فقدوها وماذا حل بهم من المصائب والنكبات قَتلٌ وانتهاكٌ للأعراض وفقرٌ وجوع ٌ وأمراض ، لايكادون ينامون من الخوف وكيف ينام من يخشى على نفسه وعرضه فاللهم لك الحمد على نعمة الأمن.
وإن من أسباب بقاء هذه النعمة اجتماعَ الكلمة على ولي أمر مسلم فلا شقاق ولانزاع ولاخلاف ولهذا جاء الأمر بالصبر على ظلم الولاة لأن مفسدة ظلمهم أقل بكثير من المفسدة الحاصلة باختلاف الكلمة وفقد الأمن
عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال دعانا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فبايَعْناه . فكان فيما أَخذَ علينا ، أن بايعْنا على السمعِ والطاعةِ ، في منشطِنا ومكرهِنا ، وعُسرنا ويُسرِنا ، وأَثَرةٍ علينا . وأن لا ننازعَ الأمرَ أهلَه. متفق عليه
وقال ﷺ : ( ستَجِدونَ أثَرَةً شديدةً ، فاصبِروا حتى تَلقَوُا اللهَ ورسولَه - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - فإني على الحَوضِ ) متفق عليه.
وقال ﷺ :ستكون أثرة وأمور تنكرونها . قالوا : يا رسول الله فما تأمرنا ؟ قال : تؤدون الحق الذي عليكم ، وتسألون الله الذي لكم.
متفق عليه.
ففي هذه الأحاديث البيان من رسول الله ﷺ أن أولي الأمر سيستأثرون بالأموال وغيرها من أمور الدنيا وسيكون منهم خلل في أمر الدين ومع ذلك أمر بالصبر على ظلمهم.
بل جاء الوعيد في من لايطيع ولاة الأمر إلا لأجل مايعطونه من الدنيا قال ﷺ : ثلاثةٌ لا يكلمُهم اللهُ يوم القيامةِ ولا يزكيهم ولهم عذابٌ أليمٌ : وذكر منهم رجلاً بايع إمامًا لا يبايعُه إلا لدنياه ، إن أعطاه ما يريدُ وفى له وإلا لم يفِ له. رواه البخاري ومسلم.
ومما يخالف دين الإسلام ما يقع من بعض الناس من المظاهرات والاعتصامات وهؤلاء مخالفون لما تضمنته الأحاديث من الصبر
سأل سلمةُ بنُ يزيد الجعفيُّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ . فقال : يا نبيَّ اللهِ ! أرأيتَ إن قامت علينا أمراءُ يسألونا حقَّهم ويمنعونا حقَّنا ، فما تأمرنا فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ( اسمعوا وأطيعوا . فإنما عليهم ما حُمِّلوا وعليكم ما حُمِّلتُم ) .
ففي هذا الحديث وماقبله من الأحاديث : الرد على من أجاز المظاهرات بدعوى المطالبة بالحقوق.

فكيف إذا كانت هذه المظاهرات من أسباب سفك الدماء و رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول لَنْ يَزَالَ الْمُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا.البخاري
وقال صلى الله عليه وسلم: لوأن أهل السماء والأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبهم الله في النار. اخرجه الترمذي.
وقال صلى الله عليه و سلم: لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم . اخرجه الترمذي والنسائي

عباد الله انظروا حولكم ماذا جنت المظاهرات على بلدان المسلمين إلا الشر والفساد قُتل عشرات الألوف وانتهكت أعراضهم ووشُرِّدوا من بلادهم تبدل أمنهم خوفاً وغناهم فقراً وجوعاً وكان الواجب عليهم الصبر لا المظاهرات لأنهم لاقدرة لديهم ولاطاقة لهم وهذا كتاب الله وسنة رسوله ﷺ بين أيدينا تبين أن المخرج من ذلك هو في الصبر والصلاة و التوبة من الذنوب والرجوع إلى الله.
قال تعالى (يا أيها الذين امنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين )
وقال تعالى (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين)
فالصبر والصلاة يكشف الله بهما كل كرب ومصيبة.
وتأملوا معاشر المسلمين في ماجرى لموسى وقومه مع فرعون
قال تعالى: (قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)
وقال تعالى(وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ * فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ )
فهؤلاء قوم موسى ابتلاهم الله بفرعون الكافر الذي ادعى الربوبية ومع ذلك ما أمروا بقتاله لضعفهم بل امروا بالصبر والتوكل على الله
والدعاء والصلاة وفي الآية الدليل على أن الصلاة من أسباب تفريج الكربات.
عندما امتثل بنو إسرائيل ماذا كانت العاقبة؟
العاقبة ذكرها الله في قوله تعالى:(وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ)
وتدبر قوله تعالى في الآية (بماصبروا) أي لأجل صبرهم على ماابتلوا به من ظلم حاكمهم فرعون, وماذا كان يفعل بهم فرعون؟
يقول تعالى(وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ)
إذن مع هذا البلاء العظيم ماأُمر قوم موسى بجهاد فرعون لأنهم ضعفاء وماأمروا بالمظاهرات بل أمروا بالصبر والتوكل والصلاة .
بل إن الله عزوجل لما أرسل موسى وهارون إلى فرعون قال: ( فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى) مع أنه ظالم كافر مدع للربوبية.

وهذا نبينا ﷺ مكث في مكة عشر سنين قتل فيها من قتل من أصحابه وأوذي من أوذي وكانت الأصنام حول الكعبة تعبد من دون الله ومع ذلك لم يجاهد هو وأصحابه رضي الله عنهم ولم يكن منهم مايعرف بالمظاهرات والاعتصامات لضعفهم وعدم قدرتهم

فكيف إذا كان الحاكم مسلماً كما في بلادنا - وفق الله ولي أمرها لكل خير- فهنا تزداد هذه الأعمال حرمة إلى حرمتها لما له من حق على رعيته.
عباد الله إن الظلم لايرفع بالظلم وإن مايبغضه الله لن يكون وسيلة إلى مايحبه الله وإن الفوضى وإشاعة الخوف لن تكون وسيلة إلى النظام واستتباب الأمن.


الخطبة الثانية:
...أما بعد فيقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد ، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء ، حتى إذا لم يُبْقِ عالماً اتخذ الناس رؤسًا جهالاً فسئلوا ، فأفتوا بغير علم ؛ فضلوا وأضلوا .
ويقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: إنكم في زمان كثير فقهاؤه قليل خطباؤه قليل سؤاله كثير معطوه ؛ العمل فيه قائد للهوى ، وسيأتي بعدكم زمان قليل فقهاؤه كثير خطباؤه كثير سؤاله قليل معطوه ؛ الهوى فيه قائد للعمل .
وإن من نعم الله على هذه البلاد وجود العلماء الربانيين الذين شهد له القاصي والداني بالعلم والعمل فإليكم عباد الله هذه بعض فتاويهم في هذه المظاهرات:
سئل سماحة الشيخ عبدالعزيز بن بازرحمه الله:
هل المظاهرات الرجالية والنسائية ضد الحكام والولاة تعتبر وسيلة من وسائل الدعوة وهل من يموت فيها يعتبر شهيداً؟
الجواب :لا أرى المظاهرات النسائية والرجالية من العلاج ولكني أرى أنها من أسباب الفتن ومن أسباب الشرور ومن أسباب ظلم بعض الناس والتعدي على بعض الناس بغير حق ولكن الأسباب الشرعية ، المكاتبة ، والنصيحة، والدعوة إلى الخيربالطرق السليمة .
وقال أيضاً ـ رحمه الله ـ: والأسلوب السيئ العنيف من أخطر الوسائل في رد الحق وعدم قبولـه أو إثارة القلاقل والظلم والعدوان والمضاربات ويلحق بهذاالباب مايفعله بعض الناس من المظاهرات التي تسبب شراً عظيماً على الدعاة،فالمسيرات في الشوارع والهتافات ليست هي الطريق الصحيح للإصلاح والدعوة فالطـــريق الصحيح ، بالزيارة والمكاتبات
بالتي هي أحسن.

وسئل ابن عثيمين عنها فقال:
لا شك ان المظاهرات شر لانها تؤدي الى الفوضى لا من المتظاهرين و لا من الآخرين وربما يحصل فيها اعتداء إما على الأعراض أو الأموال واما على الأبدان لان الناس في خضم هذه الفوضوية قد يكون الإنسان كالسكران لا يدري ما يقولول ولا ما يفعل فالمظاهرات كلها شر سواء أذن الحاكم أم لم يأذن.

وسئل فضيلة الشيخ صالح الفوزان حفظه الله:
هل من وسائل الدعوة القيام بالمظاهرات لحل مشاكل الأمة الإسلامية؟
فأجاب:ديننا ليس دين فوضى ديننا دين انضباط ودين نظام وهدوء وسكينة ، والمظاهرات ليست من أعمال المسلمين وماكان المسلمون يعرفونها ، ودين الإسلام دين هدوء ودين رحمة ودين انضباط لا فوضى ولا تشويش ولا إثارة فتن، هذا هو دين الإسلام والحقوق يتوصل إليها بالمطالبةالشرعية والطرق الشرعية.
والمظاهرات تحدث سفك دماء وتحدث تخريب أموال ، فلا تجوز هذه الأمور.
انتهى كلامه.
وجاء في بيان لهيئة كبار العلماء مانصه:
والهيئة إذ تؤكد على حرمة المظاهرات في هذه البلاد فإن الأسلوب الشرعي الذي يحقق المصلحة ولايكون معه مفسدة هي المناصحة
وهي التي سنها النبي ﷺ وسار عليها صحابته الكرام وأتباعهم بإحسان. انتهى
حفظ الله علماءنا من كل سوء ونفعنا بعلمهم
اللهم اجمع كلمة المسلمين على الحق وجنبهم الفتن...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق